عدنان زرزور

102

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

الثقافة والتاريخ ، أو بين النظرية - إن صح التعبير - والتاريخ على الصعيد الإسلامي ، والتي لم تقتصر على هذه الفكرة القائلة : إن الثقافة ( النظرية أو الوحي ) هي التي صنعت التاريخ « 1 » ، بل التي أضفنا إليها ما قلناه قبل قليل من أن ( التاريخ ) واكب - أيضا - الوحي ومشى في ركابه طيلة عصر التنزيل - أو التنجيم - من أجل تصحيح وقائعه ، أو تصويب حركة التطبيق والتنفيذ ! فكيف يقال بعد هذا : إن الواقع هو المتحكم في الوحي ؛ إن اشتد اشتد الوحي ، وإن تراخى تراخى الوحي معه ؟ إن هذا القول مأخوذ أو منتزع في الحقيقة من الثقافات الوضعية ! لأن الثقافة الأوروبية التي قابلنا بينها وبين ثقافتنا الإسلامية - في مناسبة أخرى « 2 » - هي التي صنعت التاريخ ، وليس العكس ، على نحو ما عليه الحال في الثقافة الإسلامية ، ومن ثم فإن جعل ( الواقع ) هو الحاكم على الوحي ، يشير إلى التسوية بين القرآن والثقافات الوضعية ، وربما أشار كذلك إلى إنكار أن يكون القرآن وحيا إلهيا ، من غير هذا اللف والدوران ! ولا ندري - في مثال الشورى الذي تحدثنا عنه - لما ذا لم ( ينزل ) الوحي - أو ( يأتي ) بعبارة أصرح - ناعيا عليها أو منتقصا من قدرها ، بحجة ( واقع ) الهزيمة الذي أفرزته ! ( ج ) وأخيرا : فإن في وسعنا أن نضيف إلى حكم تنجيم القرآن الكريم حكمة أخرى ، أو أن نؤكد - بعبارة أدق - الحكمة الخامسة السابقة ، وهي إثبات مصدر القرآن ، وأنه تنزيل من حكيم حميد . . . لا بدليل اتساق القرآن وعدم اختلافه في الأسلوب والمضمون ، على الرغم من نزوله واستكمال بنائه خلال فترة النزول الطويلة هذه ، ولكن - هذه المرة - بدليل وقوع الأحداث والبشائر على النحو الذي تحدث عنه القرآن وأشار إليه طيلة عصر التنزيل ، أو بدليل انقضاء مدة النزول أو التنجيم على

--> ( 1 ) راجع بحثنا المشار إليه : التاريخ بين ثقافتين . ( 2 ) المصدر السابق .